Saturday, December 3, 2011

غربة النساء

إلتقيتها في غربةِ مساء

في غرفةٍ ليلكيّة الجدران

أنا وحدي وهي بين النساء

كأنّه أنين الصمتِ في أول الأزمان



تدفءُ الكرسيّ فقط !!!

دفءٌ يجفّفُ الماء ويقطع الهواء

يطاردُ الندى في زهرةِ الريحان

ماذا عن سريري وكأسي؟

ماذا عن خيالي وبؤسي؟

ها أنا أسألُ نفسي!!!



قافرة، غريبة، باردة كليلِ الصحراء

غابت ملامح الشمسِ في رمالها فضاعت الألوان

لا أرَ فيها إلّا شجرة صفراء ... تنتظرُ الشتاء ... من دونِ عناء

Sunday, February 27, 2011

"وداعاً سيدنا"



إننا نودع بحزن بطريركاً إستثنائياً بكلِ المقاييس، بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق الذي أعطي له مجد لبنان وإسم لبنان وارتفعت على هامته أرزة لبنان ... سيدنا وأبينا مارنصرالله بطرس صفير.

خدم كنيسة المسيح للموارنة المشارقة لربع قرن حفل بأصعب المحطات وأدقَّها في تاريخ الكنيسة وتاريخ لبنان الحديث.



تسلَم المسؤوليَّة أبَّان الحرب الأهليّة السوداء، ثمَ عايش أصعب مرحلةٍ مرَ بها المسيحيون في عصرنا ألا وهي قتال الإخوة فيما بينهم، حاول جاهداً رأب الصدع لكن حب السلطة وجنون الحكم تغلبا على الوفاق والحكمة. فلم يبق أمامه حلاً إلّا اتفاق الطائف مكرهاً مضحّياً بصلاحيَاتٍ دستوريّة خسرها المسيحيون، كلُه في سيبل وقف حمام الدم بين الإخوة وبقاء لبنان الوطن، فأثبت أنَه ليس للموارنة فحسب بل لكلِّ اللبنانيين.

تحمَل الذلَّ والمهانة كما تحمّلها السيد المسيح منذ ألفي عام، يومَ صرخت الجموع: "أصلبهُ أصلبهُ" ... ويومَ باعهُ تلميذه يهوذا بحفنة من الفضّة ... ويومَ أنكرهُ بطرسَ صخرة الكنيسة وبطريركها الأول ... "إغفر لهم يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ما يفعلون" قالها سيدنا لكثيرين منا.

في التسعينيّات، حملَ أوجاع المسجونين والمنفيين وآلام المقيمين المضطهدين فكادت هذه الهموم أن تُثقلَ كاهلهُ، لكنّه أبى أن ينحني إلاَّ ليسوع المصلوب على خشبة.

فأطلقَ في العام ألفين بيان المطارنة الشهير، طالباً من الجيش السوري أن يخرُجَ من لبنان في وقتٍ لم يكن أحد من قادة لبنان يجرؤ حتّى على التفكير بأمرٍ كهذا... فتعرّضَ لحربٍ شعواء آنذاك ولكنّه كان واثقاً من صوابية الطرح وظرفه، فشدَّ حزام ثوبه وخرج إلى جبل الشوف ليقم بمصالحةٍ تاريخيَةٍ بين المسيحيين والإخوة الدروز في أوّل زيارةٍ لهذا الجبل منذ أكثر من 450 سنة على زيـارة العلّامة إسطفان الدويهي، تعرَّضَ بعدها الشباب المسيحي لأبشع أنواع الضغط والاضطهاد ومعهم كان بطريركهم.

شهدَ خروج العدو الإسرائيلي من جنوب لبنان وخروج الجيش السوري من باقي الأرض فكان أحد عرّابي الاستقلال الثاني.

دافع عن مركز الرئاسة الأولى في كلِّ الأوقات وهو رفض رحيل العماد لحّود من قصره ليس لأنه ماروني الطائفة فحسب، بل لإيمانه بأنَّ رحيل أيّ سلطة دستورية تحت الضغط ستكون مؤشّراً خطيراً لانهيار نظامنا الوفاقي وتهديداً لعيشنا الواحد.

إتهمه فريقٌ منا أنّه مع الفريق الآخر أكثر مما هو معه، كاتهام إبنٍ يغار من حبِّ والده لأخيهِ أكثرَ منه .... أولا تقرؤون أنَّ السيد ذبح العجلَ المسمن لابنه الضال؟!!!

إنَّ أبينا البطريرك هو أبٌ لنا كلّنا مهما أخطأ حسب اعتقاد بعضنا ومن منا بلا خطيئة فليرجمه بأول حجر!!!

نعم، علينا نحن المورانة والمسيحيون عموماً أن نعلم أننا مهما اختلفنا في الرأي، وهذا حقٌّ لنا، فلا يجوز بأي حالٍ من الأحوال أن نلقي بآثـــامنا على أبينا ورمزنا في هذا الشرق. وعلى اللبنانيين جميعاً أن يعلموا أنَّ الموارنة شعبٌ أصيلٌ في تاريخه ولبنانيته وعروبته، منفتح على جميع الثقافات، مؤمن بالحرية للجميع، شعبٌ عنيدٌ لا ينحني كما بطاركته إلّا إلى لله عزَّ وجلّ.

في العمل الكنسي، حقق الكثير لكنيسة المسيح وشهدت الكنيسة المارونية بريقاً لم تعرفه منذ قرون ...

أشرقت شمس القديسين الموارنة في العالم من رفقا ونعمة الله الحرديني ويعقوب الكبوشي والمكرم الأخ إسطفان.

في أيامه تحقق للكنيسة المارونية وللبنان ما لم يتحقق في تاريخهما من قبل:

زار لبنان لأول مرة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني وعقد السينودوس من أجل لبنان ... ثم عُقد السينودوس من أجل الشرق ...

عادت هامة الأب القديس مارون إلى لبنـــــــان، وكُرّم مارمارون كأبٍ من آبـــاء الكنيسة الكاثوليكية الجامعة ...

كل هذا ما كان ليحصل لولا وجود شخص بدهاء وحكمة وإيمان البطريرك صفير.

أيها الموارنة لا تقلقوا، لقد مرّت أوقات تفوق الأوقات التي نعيشها انقساماً واضطهادا.

إنّ من يقرأ التاريخ يعرفُ تمام المعرفة أنّ الانقسامات كانت أشدّ بكثير مما نمر به اليوم، والاضطهادات كانت أقسى ألف مرةٍ ومرة من زمننا هذا، قُتل أجدادنا وهُجّروا من أماكن سكنهم، سيقوا كالخراف إلى الذبح، قُتل كهنتهم وأساقفتهم وبطاركتهم القديســين، أُحرق البطريرك موسى سعادة العكّاري حيّاً ولم نرحل وبقينا في لبنـــــــــــــــــــــــان.

ستبقى الأمانة من الخلف إلى السلف كما كانت منذ عشرات القرون، رسالة محبةٍ وسلام، رسالة عزّةٍ وصمود، من لا يملك العزةَ والكرامة لا يمكنه العيش بحريةٍ وإيمان ولا يمكنه أن يكونَ شريكاً حقيقيّاً في وطن الرسالة لبنان.

مهما اختلفنا معك في الرأي، نقول لك: عفواً سيدنا ، لما اقترفناه عن قصدٍ أو غيرِ قصد، من نحن حتى ندينك، سامحنا الله جميعاً. وداعاً يا أبينا وحبيبنا وشيخ كهنتنا ... ستبقى في قلوبنا ... ستدمع عيون البعض منّا كلما رأوا صورتك أو قرأوا عنك، إنّ التاريخ لا ينصف العظماء إلاّ بعد رحيلهم، لكنَّ الله محبة وهو العالِمُ المُنصِف.

ودايماً بالآخر في آخر، في وقت فراق ....

جان بــــدر

27/02/2011